أبي منصور الماتريدي
249
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
والأول أشبه ؛ لأنه يقال من التغير والتنتن : لم يتسنن . وقوله تعالى : وَانْظُرْ إِلى حِمارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها ثُمَّ نَكْسُوها لَحْماً . وهو من الأحياء . و نُنْشِزُها بالزاي - وهو من الارتفاع والنصب . وفيه لغة أخرى : « ننشرها » بالراء ، وهو من الإحياء . و « ننشرها » من النشر . وقوله تعالى : فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ . أَعْلَمُ ، بالنصب [ والخفض : فمن قرأه بالنصب ] « 1 » ، صرف قوله : أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ إلى المسلم . ومن قرأ أَعْلَمُ بالخفض صرف إلى الكافر ، يقول اللّه له : اعلم أن اللّه على كل شئ قدير . ويحتمل أيضا صرفه إلى المسلم : « واعلم » ، على الإخبار ، كأنه قال : اعلم ما كنت تعلمه غيبا مشاهدة . وفي هذه الآيات إثبات رسالة محمد صلى اللّه عليه وسلم ؛ وذلك أن هذه القصص كانت ظاهرة بينهم ، ولم يكن له اختلاف إليهم ، ولا النظر في كتبهم ، ثم أخبر على ما كان ؛ ليعلم أنه إنما علم ذلك بالله عزّ وجل ثناؤه . وقوله تعالى : وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى قالَ أَ وَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ . قال بعضهم : كان إبراهيم ، عليه السلام ، موقنا بأن اللّه يحيى الموتى ، ولكن أحب أن يعاين ذلك ؛ لأن الخبر لا يكون عند ابن آدم كالعيان ، على ما قيل : « ليس الخبر كالمعاينة » . وقيل : يحتمل سؤاله عما يسأل لما نازعته نفسه وحدثته في كيفية الإحياء ، وقد تنازع النفس وتحدث بما لا حاجة لها إليه من حيث نفسه ؛ ليقع له فضل علم ومعرفة . وقيل : لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي أي : ليسكن قلبي وأعلم أنك قد استجبت لي فيما دعوتك ، وأعطيتني الذي سألتك . وقيل « 2 » : أَ وَلَمْ تُؤْمِنْ ، أي : أو لم توقن بالخلة التي خاللتك ؟ قال : بلى .
--> ( 1 ) سقط في ط . ( 2 ) قاله السدى وسعيد بن جبير ، أخرجه ابن جرير عنهما ( 5968 ، 5969 ) ، وانظر الدر المنثور ( 1 / 592 ) .